محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سمعت الضحاك ، في قوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ هذا في شأن الذبيحة ، قال : قال المشركون للمسلمين : تزعمون أن الله حرم عليكم الميتة ، وأحل لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم ، وحرم عليكم ما ذبح هو لكم وكيف هذا وأنتم تعبدونه ؟ فأنزل الله هذه الآية : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى قوله : لَمُشْرِكُونَ . وقال آخرون : كان الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قوما من اليهود . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع ، قالا : ثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال ابن عبد الأعلى : خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن وكيع : جاءت اليهود إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل ما قتلنا ، ولا نأكل ما قتل الله فأنزل الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : إن الله أخبر أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة بما ذكرنا من جدالهم إياهم . وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم ، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس ، وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك ، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً بل ذلك الأغلب من تأويله عندي ، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس ، كما جعل لأنبيائه من قبله يوحي بعضهم إلى بعض المزين من الأقوال الباطلة ، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرم الله من الميتة عليهم . واختلف أهل التأويل في الذي عني الله جل ثناؤه بنهيه عن أكله الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه ، فقال بعضهم : هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلهتها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ومحمد بن بشار ، قالا : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما قوله : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قال : يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح . قلت لعطاء : فما قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قال : ينهى عن ذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان كانت تذبحها العرب وقريش . وقال آخرون : هي الميتة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قال : الميتة . وقال آخرون : بل عنى بذلك كل ذبيحة الأكل مما لم يذكر اسم الله عليها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن حميد بن يزيد ، قال : سئل الحسن ، سأله رجل قال له : أتيت بطير كذا ، فمنه ما ذبح ، فذكر اسم الله عليه ، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه واختلط الطير ؟ فقال الحسن : كله كله قال : وسألت محمد بن سيرين ، فقال : قال الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ . حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن أيوب وهشام ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي ، قال : كلوا من ذبائح أهل الكتاب والمسلمين ، ولا تأكلوا الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن أشعث ،